آخر المواضيع

samedi 5 juillet 2014

07:54

ضرورة معرفة القرآن


ضرورة معرفة القرآن
 
معرفة القرآن لكل شخص بعنوان إنه إنسان عالم، ولكل مؤمن على أساس أنه فرد مؤمن، أمر واجب وضروري.
أما بالنسبة للعالم الخبير بشؤون الناس والمجتمع، فمعرفة القرآن ضرورية، لأن هذا الكتاب عامل مؤثر في تكوين مصير المجتمعات الإسلامية، بل، وفي تكوين المجتمعات البشرية. نظرة إلى التاريخ توضح لنا هذه النقطة، وهي أنه لا يوجد كتاب في التأريخ، أثر كالقرآن في حياة الإنسان، وفي تكوين المجتمعات البشرية (وأما في أي اتجاه كان هذا التأثير؟ وهل حول مسيرة التأريخ إلى جهة السعادة ورفاهية البشرية أم إلى جهة الانحطاط والنقص؟ وهل كان بسبب تأثير هذا القرآن، أن وجدت حركة وثورة في التأريخ، وجرى دم جديد في عروق المجتمعات البشرية أم بالعكس؟ أنه موضوع خارج عن نطاق بحثنا هذا). ولهذا الغرض، فإن القرآن يدخل ضمن مبحث علم الاجتماع، وضمن المواضيع التي يهتم بها هذا العلم. ومعنى كلامنا أن البحث والتحقيق حول تأريخ العالم خلال 14 قرنا بصورة عامة، ومعرفة المجتمعات الإسلامية بصورة خاصة، بدون معرفة القرآن، أمر محال.
وأما ضرورة معرفة القرآن لكل مسلم مؤمن، فإنها تأتي لكون القرآن، المنبع الأصلي والأساسي للدين والإيمان وتفكر كل مسلم ‎، ولأنه (القرآن) يهب الحياة حرارة وروحا وحرمة ومعنى. القرآن <ليس؟؟> مثل بعض الكتب الدينية التي تعرض مجموعة من المسائل الغامضة حول الله والخلقة والكون، أو تعرض - على الأكثر - مجموعة من النصائح الخلقية العادية ولا غير، حتى يضطر المؤمنون إلى أخذ أفكارهم ومعتقداتهم ومفاهيم حياتهم من منابع أخرى. القرآن عرض ووضح أصول العقائد والأفكار التي يحتاج إليها الإنسان، على أساس أنه موجود مؤمن وصاحب عقيدة.
وهكذا بين القرآن الأصول التربوية والخلقية والأنظمة الاجتماعية والروابط الأسرية، إلا أنه يبقى التفصيل والتفسير، وأحيانا الاجتهاد، وتطبيق الأصول على الفروع، فذلك موكول إلى السنة أو الاجتهاد (استنباط الأحكام). ولذا تتوقف الاستفادة من أي منبع آخر على معرفة القرآن مقدما. القرآن مقياس ومعيار للمنابع الأخرى، وعلينا أن نطبق الحديث والسنة مع المعايير القرآنية، فلو تطابقت معها قبلناها، ولو لم تطابقها رفضناها.
وأما أكثر المنابع اعتبارا وتقديسا عندنا بعد القرآن، هي: الكتب الأربعة في الحديث(الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، والاستبصار)، وفي الخطب: نهج البلاغة، وفي الأدعية: الصحيفة السجادية، وكل هذه المنابع متفرعة من القرآن ولا نقطع بها كما نقطع بالقرآن، أي أن حديث الكافي: نستطيع أن نأخذ به ونستدل عليه عندما نطبقه مع القرآن، ولا بد أن يتطابق معه ومع تعاليمه ولا يختلف معه شيئا.
كان الرسول الأعظم والأئمة الأطهار عليهم السلام يقولون (بما معناه). اعرضوا أحاديثنا على القرآن، فإن لم تنطبق معه فأعلموا أنها مزورة مجعولة، نحن لا نقول خلافا للقرآن.
07:53

جمع القرآن عهد عثمان


جمع القرآن في عهد عثمان

روى البخاري عن أنس: "أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك ؛ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن، فأكتبوه بلسان قريش، فإنّه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفةٍ ومصحفٍ أن يحرق. قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنتُ أسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الاَنصاري: ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)) (الأحزاب 33: 23) فألحقناها في سورتها في المصحف"1.
وهناك صور مختلفة وألفاظ شتّى لهذه الرواية، والملاحظ عليها جميعاً:
1 - كيف تفقد آية من سورة الاَحزاب، وقد اعتمد عين الصحف المودعة عند حفصة، والكاتب في الزمانين هو زيد بن ثابت؟ وقد كانت النسخة المعتمدة أصلاً كاملة إلاّ آخر براءة - كما تقدم - فهل كان الجمع الأول فاقداً لهذه الآية التي من الأحزاب ولسواها؟ أم أنّهم لم يعتمدوا النسخة التي عند حفصة؟ وهل ليس ثمة مصاحف وحفّاظ لهذه الآية إلاّ رجل واحد؟! من هذه الرواية وسواها تسرب الشكّ وبرزت الشبهة للذين يحلو لهم القول بتحريف القرآن، وقد رأيت أنّ مستندهم ضعيفٌ متهافتٌ لا يمكن الاعتماد عليه، ولا أدري هل من قبيل المصادفة أنّ الآية تضيع في زمان أبي بكر وتوجد عند خزيمة بن ثابت، وتضيع غيرها في زمان عثمان وتوجد عند خزيمة أيضاً، فهل كان خزيمة معدوداً في الذين جمعوا القرآن، أو الذين أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخذ القرآن عنهم؟
2 - هذه الرواية ومثيلاتها مضطربةٌ في تعيين من تولى الكتابة لمصحف عثمان، وكذا الذي تولّى الإملاء، فصريح بعض الروايات أنّ عثمان عيّن للكتابة زيداً وابن الزبير وسعيداً وعبد الرحمن، وصريح بعضها الآخر أنّه عيّن زيداً للكتابة، وسعيداً للإملاء، وصريح بعضها أنّ المملي كان أُبي بن كعب، وأنّ سعيداً كان يعرب ما كتبه زيد، وفي بعضها أنّه عيّن رجلاً من ثقيف للكتابة، وعين رجلاً من هذيل للاِملاء، وعن مجاهد: "أنّ المملي أُبي بن كعب، والكاتب زيد بن ثابت، والذي يعربه سعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث"2.
3 - الملاحظ في جميع هذه الروايات، وكذا في الرواية المذكورة آنفاً، أنّ زيد بن ثابت قد اعتمد رجلاً واحداً في الشهادة على الآية، وهو أمر باطلٌ ؛ لأنه مخالف لتواتر القرآن الثابت بالضرورة والإجماع بين المسلمين.
ونحن لا نريد التشكيك في أنّ عثمان قد أرسل عدّة مصاحف إلى الآفاق، وقد جعل فيها عين القرآن المتواتر بين المسلمين إلى اليوم، ولكنّنا نخالف كيفية الجمع التي وصفتها الأخبار ونكذّبها ؛ لأنها تطعن بضرورة التواتر القاطع، ولا يشكّ أحد أنّ القرآن كان مجموعاً ومكتوباً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومدوناً قبل عهد عثمان بزمنٍ طويل، غاية ما في الأمر أنّ عثمان قد جمع الناس على قراءةٍ واحدةٍ، وهي القراءة المتعارفة بينهم والمتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنعهم من سائر القراءات الأخرى التي توافق بعض لغات العرب، وأحرق سائر المصاحف التي تخالف القراءة المتواترة، وكتب إلى الأمصار أن يحرقوا ما عندهم منها، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة.
قال الحارث المحاسبي: "المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجهٍ واحدٍ، على اختيارٍ وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والانصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات"3.
ولم ينتقد أحدٌ من المسلمين عثمان على جمعه المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ ؛ لأنّ اختلاف القراءة يؤدّي إلى اختلاف بين المسلمين لا تحمد عقباه، وإلى تمزيق صفوفهم وتفريق وحدتهم وتكفير بعضهم بعضاً، غاية ما قيل فيه هو إحراقه بقية المصاحف حتى سمّوه: حَرّاق المصاحف، حيث أصرّ البعض على عدم تسليم مصاحفهم كابن مسعود.
وقد نقل في كتب أهل السنة تأييد أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) لما فعله عثمان من جمع المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ، حيث أخرج ابن أبي داود في (المصاحف) عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ رضي الله عنه: "لا تقولوا في عثمان إلاّ خيراً، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملاٍَ منّا" ؛ قال: "ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً". قلنا: "فما ترى؟" قال: "أرى أن يُجْمَع الناس على مصحف واحد، فلا تكون خرقة ولا اختلاف". قلنا: "فنعم ما رأيت"4!
وروي أنّه (عليه السلام) قال: "لو وليّت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان"5،
وبعد تأييد أمير المؤمنين (عليه السلام) وخيار الصحابة المعاصرين لهذا العمل، بدأ التحوّل تدريجياً إلى المصاحف التي بعث بها عثمان إلى الآفاق، فاحتلّت مكانها الطبيعي، وأخذت بأزمّة القلوب، وبدأت بقيّة المصاحف التي تخالفها في الترتيب أو التي كُتِب فيها التأويل والتفسير وبعض الحديث والدعاء تنحسر بمرور الاَيام، أو تصير طعمة للنار، حتّى أصبحت أثراً بعد عين، وحفظ القرآن العزيز عن أن يتطّرق إليه أيّ لبس.
لقد تبيّن من ثنايا البحث أنّ جميع المزاعم التي تذرّع بها المتربصون بالإسلام للقول بتحريف القرآن الكريم والكيد بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفلت العناية الربانيّة بحفظه وصيانته، قد ذهبت أدراج الرياح، وما هي إلاّ كرمادٍ بقيعةٍ اشتدّت به الريح في يومٍ عاصفٍ، من خلال الأدلة الحاسمة التي ذكرناها والتي تؤكّد عدم وقوع التحريف في الكتاب الكريم، وأنّه بقي وسوف يبقى بإذن الله مصوناً من كلِّ ما يوجب الشكّ والريب.، فقد وقف علماء الشيعة وعلماء أهل السنة عموماً من روايات التحريف موقفاً سلبياً، ورفضوا القول بمضمونها وفنّدوه بما لا مزيد عليه، ورأوا في هذه الأخبار أنّها أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها في أمر يمسّ العقيدة التي لابدّ فيها من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، ولا تكفي فيها الظنون ولا أخبار الآحاد. هذا بالإضافة إلى وجوه ضعف أُخرى تعاني منها هذه الأخبار، سواء من حيث دلالتها، أو من حيث ظروف صدورها، أو من حيث مرامي وأهداف وتوجّهات من صدرت عنهم. وفيما يلي نبين بعض أقوال علماء المسلمين التي تؤيد إجماع كلمة أهل الإسلام على نفي القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم، وهذه الأقوال وسواها تقطع الطريق أمام كلّ محاولات الأعداء المغرضين والحاقدين ومن عداهم من السذّج والمغفّلين:
1 - الشيخ محمد محمد المدني عميد كلية الشريعة في الجامع الأزهر: "أما أنّ الإمامية يعتقدون نقص القرآن، فمعاذ الله، وإنّما هي روايات رويت في كتبهم، كما روي مثلها في كتبنا، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها، وبينوا بطلانها، وليس في الشيعة الإمامية أو الزيدية من يعتقد ذلك، كما أنّه ليس في االسنة من يعتقده، ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل كتاب (الإتقان) للسيوطي السُنّي ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحاً، أفيقال إنّ أهل السنة ينكرون قداسة القرآن، أو يعتقدون نقص القرآن لروايةٍ رواها فلان، أو لكتابٍ ألّفه فلان"6؟!
2 - الإمام المحقق رحمة الله الهندي: "إنّ المذهب المحقّق عند علماء الفرقة الإمامية الإثني عشرية أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، وأنّه كان مجموعاً مؤلّفاً في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) وحَفَظه ونَقَله أُلوفٌ من الصحابة"7.
3 - الدكتور محمد التيجاني السماوي: "لو جبنا بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً وفي كل بقاع الدنيا، فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان، وإن اختلف المسلمون إلى مذاهب وفرق وملل ونحل، فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم، ولا يختلف فيه من الأمة اثنان"8.
4 - السيد عليّ الميلاني: "إنّ المعروف من مذهب أهل السنة هو نفي التحريف عن القرآن الشريف، وبذلك صرّحوا في تفاسيرهم وكتبهم في علوم القرآن"9.
5 - السيد جعفر مرتضى العاملي: "إنّنا لا يجب أن ننسى الجهد الذي بذله أهل السنة لتنزيه القرآن عن التحريف، وحاولوا توجيه تلكم الأحاديث بمختلف الوجوه التي اهتدوا إليها"10.
وغيرها من الشهادات الضافية التي لو ذكرناها جميعاً لطال بنا المقام، وجميعها تؤكّد أنّه ليس من أمرٍ اتفقت عليه كلمة المسلمين مثلما اتّفقت على تنزيه كتاب الله العزيز من كلِّ ما يثير الشكّ والريب قال تعالى: ((لا يأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَينِ يَديهِ وَلا مِنْ خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَميدٍ)) 11.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
07:52

جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر


جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر

تتضارب الأخبار حول جمع القرآن في هذه المرحلة حتى تكاد أن تكون متكاذبة، وفيما يلي نورد بعضها لنبيّن مدى تناقضها ومخالفتها للأدلة التي ذكرناها آنفاً:
1 - عن زيد بن ثابت، قال: "أرسل إليِّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل استمرّ بقُرّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستمرّ القتل بالقُرّاء في المواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال عمر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك شابّ عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبّع القرآن فاجمعه - فوالله لو كلّفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ ممّا أمرني به من جمع القرآن - قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر. فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره ((لقد جاءكم رسول...)) (التوبة 9: 128) حتّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر"1.
2 - وعن زيد بن ثابت أيضاً، قال: "قُبِضَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن القرآن جمع في شيء"2.
3 - ورُوي "أنّ أوّل من سمّى المصحف مصحفاً حين جمعه ورتّبه أبو بكر - وفي رواية: سالم مولى أبي حذيفة3- وكان مفرّقاً في الأكتاف والرقاع. فقال لأصحابه: التمسوا له اسماً. فقال بعضهم: سمّوه إنجيلاً، فكرهوه. وقال بعضهم: سمّوه السفر، فكرهوه من يهود. فقال عبد الله بن مسعود: رأيتُ للحبشة كتاباً يدعونه المصحف، فسمّوه به"4.
4 - وعن محمد بن سيرين: "قُتِل عمر ولم يجمع القرآن"5.
5 - وعن الحسن: "أنّ عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان، فقُتِل يوم اليمامة، فقال: إنّا لله، وأمر بالقرآن فجمع، فكان أوّل من جمعه في المصحف"6.
هذه طائفةٌ من الروايات الواردة بهذا الخصوص، والملاحظ أنّ شبهة القول بالتحريف التي ذكرناها في أوّل بحث جمع القرآن مبتنيةٌ على فرض صحّة أمثال هذه الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن، والملاحظ أنّه لا يمكن الاعتماد على شيءٍ منها، وقد اعترف محمد أبو زهرة بوجود رواياتٍ مدسوسةٍ فيها، والقارئ لهذه الروايات وسواها يتلمّس نقاط ضعفها على الوجه التالي:
1 - اضطراب هذه الروايات وتناقضها، فصريح بعضها أنّ جمع القرآن في مصحف كان في زمان أبي بكر، والكاتب زيد، وأنّ آخر براءة لم توجد إلا مع خزيمة بن ثابت، فقال أبو بكر: "اكتبوها، فإنّ رسول الله قد جعل شهادته بشهادة رجلين"7، وظاهر بعض هذه الروايات أنّ الجمع كان في زمان عمر، وأنّ الآتي بالآيتين خزيمة بن ثابت، والشاهد معه عثمان، وفي حديث آخر: "جاء رجلٌ من الأنصار وقال عمر: لا أسألك عليها بيّنة أبداً، كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)"8. وفي غيره: فقال زيد: من يشهد معك؟ قال خزيمة: لا والله ما أدري. فقال عمر: أنا أشهد معه"9. وظاهر بعض هذه الروايات أيضاً أنّ الجمع تأخّر إلى زمان عثمان بن عفان.
واضطربت الروايات في الذي تصدّى لمهمّة جمع القرآن زمن أبي بكر، ففي بعضها أنّه زيد بن ثابت، وفي أُخرى أنّه أبو بكر نفسه وإنّما طلب من زيد أن ينظر فيما جمعه من الكتب، ويظهر من غيرها أنّ المتصدّي هو زيد وعمر، وفي أُخرى أن نافع بن ظريب هو الذي كتب المصاحف لعمر"10.
2 - لا تصحّ الرواية الثالثة ؛ لأنّ المصاحف واستحداث لفظها لم يكن في زمان أبي بكر، بل هي موجودة منذ زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، واستخدمت هذه المفردة لهذا المعنى، وهو القرآن الذي بين الدفّتين، منذ فجر الرسالة كما تقدّم بيانه، وتقول هذه الرواية أنّ كلمة "مصحف" حبشيّة، بل هي عربية أصيلة، ولسان الحبشة لم يكن عربياً، ثمّ إنّهم لماذا تحيّروا في تسمية كتاب الله وهو تعالى سمّاه في محكم التنزيل قرآناً وفرقاناً وكتاباً.
3 - الملاحظ أنّ هذه الروايات تؤكّد على أنّ جمع القرآن كان بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد تقدّم بطلان ذلك ؛ لأنّه كان مؤلّفاً مجموعاً على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بالمصاحف ويختم، وكان له كُتّاب مخصوصون يتولون كتابته وتأليفه بحضرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يشرف على أعمالهم بنفسه، وكان لدى الصحابة مصاحف كثيرة شُرّعت فيها بعض السنن، وكانوا يعرضون على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما عندهم باستمرار، وكان كثير من الصحابة قد جمعوا القرآن في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم).
4 - هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبةً من أنّ القرآن لا طريق لإثباته إلا التواتر، فإنّها تقول إنّ إثبات بعض آيات القرآن حين الجمع كان منحصراً بشهادة شاهدين أو بشهادة رجلٍ واحدٍ، ويلزم من هذا أن يثبت القرآن بخبر الواحد أيضاً، وهي دعوى خطيرةٌ لا ريب في بطلانها، إذ القطع بتواتر القرآن سببٌ للقطع بكذب هذه الروايات أجمع وبوجوب طرحها وإنكارها ؛ لأنّها تثبت القرآن بغير التواتر، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين، فهذه الروايات باطلة مادامت تخالف ما هو ثابت بالضرورة.
وإذا سلّمنا بصحة هذه الروايات، فإننا لا نشك في أنّ جمع زيد بن ثابت للمصحف كان خاصّاً للخليفة، لأنّه لا يملك مصحفاً تاماً، لا لعموم المسلمين، لأنّ الصحابة من ذوي المصاحف قد احتفظوا بمصاحفهم مع أنّها تختلف في ترتيبها عن المصحف الذي جمعه زيد، وكان أهل الأمصار يقرأون بهذه المصاحف، فلو كان هذا المصحف عاماً لكلِّ المسلمين لماذا أمر أبو بكر زيداً وعُمَرَ بجمعه من اللخاف والعسب وصدور الرجال؟ وكان بإمكانه أخذه تاماً من عبد الله بن مسعود الذي كان يملي القرآن عن ظهر قلب في مسجد الكوفة، والذي قال عنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "إذا أردتم أن تأخذوا القرآن رطباً كما أُنزل، فخذوه من ابن أُمّ عبد - أي من عبد الله بن مسعود "11.. والذي يروي عنه أنّه قال عندما طلب منه تسليم مصحفه أيام عثمان: "أخذت من في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين سورة، وإنّ زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب مع الغلمان"12..
وبإمكانه أن يأخذه تامّاً من الإمام عليّ (عليه السلام) الذي استودعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن، وطلب منه جمعه عقيب وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجمعه وجاء به إليهم، فلم يقبلوه منه13، وما من آيةٍ إلا وهي عنده بخطّ يده وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال أبو عبد الرحمن السلمي: "ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله تعالى من عليّ (عليه السلام)"14.
وبإمكانه أن يأخذه من أُبي بن كعب الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أقرأهم أُبي بن كعب". أو قال: "أقرأ أُمّتي أُبي بن كعب"15. أو يأخذه من الأربعة الذين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس بأخذ القرآن عنهم، وهم: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل16، وكانوا أحياءً عند الجمع، أو يأخذه من ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن بلا خلاف، ولو سلّمنا أنّ جامع القرآن في مصحف هو أبو بكر في أيام خلافته، فلا ينبغي الشكّ في أنّ كيفية الجمع المذكورة بثبوت القرآن بشهادة شاهدين مكذوبةٌ ؛ لأنّ جمع القرآن كان مستنداً إلى التواتر بين المسلمين، غاية الأمر أنّ الجامع قد دوّن في المصحف ما كان محفوظاً في الصدور على نحو التواتر.
07:51

جمع القرآن وشبهة التحريف


جمع القرآن وشبهة التحريف

إنّ موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي أُثيرت حولها الشبهات، ودُسَّت فيها الروايات، وتذرّع بها القائلون بالتحريف فزعموا أنّ في القرآن تحريفاً وتغييراً، وأنّ كيفية جمعه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مستلزمةٌ في العادة لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه، حيثُ إنّ العادة تقتضي فوات شيءٍ منه على المتصدّي لذلك إذا كان غير معصوم.
قال الرافعي: "ذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلاّ الظنّ والتأويل واستخراج الأساليب الجدلية من كلِّ حكمٍ ومن كلِّ قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيءٌ حملاً على ما وصفوه من كيفية جمعه"1.
إنّ امتداد زمان جمع القرآن إلى ما بعد حروب اليمامة، كما نطقت به الروايات، وتضارب الأخبار الواصفة لطريقة جمعه، أثارا الشبهة لدى الكثيرين، فعن الثوري أنّه قال: "بلغنا أنّ أُناساً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يقرأون القرآن، أُصيبوا يوم مسيلمة، فذهبت حروف من القرآن"2.
إنّ حقيقة جمع القرآن في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تُعدّ من الحقائق التاريخية الناصعة، التي لا تحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء وإثارة الشبهات، وتعدّ أيضاً ضرورةً ثابتةً تاريخياً دامغةً لكلّ الأقاويل والشبهات، ولكل ما دُسّ من الأخبار والروايات حول هذه المسألة.
أجمع علماء الإمامية على أنّ القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك دنياه إلى آخرته إلاّ بعد أن عارض ما في صدره بما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وبما في مصاحف الذين جمعوا القرآن في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد اعتُبِر ذلك بحكم ما علم ضرورة، ويوافقهم عليه جمعٌ كبيرٌ من علماء أهل السنة، وجميع الشواهد والأدلة والروايات قائمةٌ على ذلك، واليك بعضها:
1 ـ اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة بحفظ القرآن وتعليمه وقراءته وتلاوة آياته بمجرد نزولها، وممّا روي من الحثّ على حفظه، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من قرأ القرآن حتى يستظهره ويحفظه، أدخله الله الجنّة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت لهم النار"3، وفي هذا المعنى وحول تعليم القرآن أحاديث لا تحصى كثرة، فعن عبادة بن الصامت قال: "كان الرجل إذا هاجره دفعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رجلٍ منّا يعلّمه القرآن، وكان لمسجد رسول الله ضجّة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا"4.
وقد ازداد عدد حُفّاظ القرآن بشكل ملحوظ لتوفر الدواعي لحفظه، ولما فيه من الحثّ من لدن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأجر والثواب الذي يستحقّه الحافظ عند الله تعالى ، والمنزلة الكبيرة والمكانة المرموقة التي يتمتّع بها بين الناس ، وحسبك ما يقال عن كثرتهم على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد عهده أن قُتِل منهم سبعون في غزوة بئر معونة خلال حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقُتل أربعمائة ـ وقيل: سبعمائة ـ منهم في حروب اليمامة عقيب وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحسبك من كثرتهم أيضاً أنّه كان منهم سيّدة، وهي أمُّ ورقة بنت عبد الله ابن الحارث، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يزورها ويسمّيها الشهيدة، وقد أمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تؤمّ أهل دارها5.
أمّا حفظ بعض السور فقد كان مشهوراً ورائجاً بين المسلمين، وكلّ قطعةٍ كان يحفظها جماعة كبيرة أقلّهم بالغون حدّ التواتر، وقلّ أن يخلو من ذلك رجلٌ أو أمرأةٌ منهم، وقد اشتدّ اهتمامهم بالحفظ حتى إنّ المسلمة قد تجعل مهرها تعليم سورة من القرآن أو أكثر.
2 ـ لا يرتاب أحدٌ أنّه كان من حول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كُتّاب يكتبون ما يملي عليهم من لسان الوحي ، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رتّبهم لذلك ، روى الحاكم بسندٍ صحيح عن زيد بن ثابت ، قال: "كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع"6.
وقد نصّ المؤرخون على أسماء كُتّاب الوحي ، وأنهاهم البعض إلى اثنين وأربعين رجلاً ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم كلّما نزل شيءٌ من القرآن أمر بكتابته لساعته ، روى البراء: أنّه عند نزول قوله تعالى: ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين)) (النساء4: 95) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ادعُ لي زيداً، وقُل يجيء بالكتف والدواة واللّوح، ثمّ قال: اكتب ((لا يستوي...))"7.
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يشرف بنفسه مباشرة على ما يُكْتَب ويراقبه ويصحّحه بمجرد نزول الوحي، روي عن زيد بن ثابت قال: "كنتُ أكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان إذا نزل عليه الوحي أخَذَتْهُ برحاء شديدة... فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة، فأكتب وهو يُملي عليّ، فإذا فرغت قال: 'اقرأه'، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثمّ أخرج إلى الناس"8.
أمّا في مفرّقات الآيات فقد روي عن ابن عباس، قال: "إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب فيقول: 'ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا'"9 وذلك منتهى الدقّة والضبط والكمال.
3 ـ روي في أحاديث صحيحة "أنّ جبرئيل كان يعارض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن في شهر رمضان، في كلِّ عامٍ مرّة، وأنّه عارضه عام وفاته مرّتين"10 وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرض ما في صدره على ما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وكان أصحاب المصاحف منهم يعرضون القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعن الذهبي: "أنّ الذين عرضوا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي ابن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء"11.
وعن ابن قتيبة: "أنّ العرضة الأخيرة كانت على مصحف زيد بن ثابت"12، وفي رواية ابن عبد البرّ عن أبي ظبيان: "أنّ العرضة الأخيرة كانت على مصحف عبد الله بن مسعود"13.
4 ـ وفي عديد من الروايات أنّ الصحابة كانوا يختمون القرآن من أوله إلى آخره، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شرّع لهم أحكاماً في ذلك، وكان يحثّهم على ختمه، فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "إنّ لصاحب القرآن عند كلِّ ختم دعوةً مستجابةٍ"14. وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "من قرأ القرآن في سبعٍ فذلك عمل المقربين، ومن قرأه في خمسٍ فذلك عمل الصدّيقين"15. وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحاً في سبيل الله، ومن شهد خاتمته حين يختمه كان كمن شهد الغنائم"16. ومعنى ذلك أنّ القرآن كان مجموعاً معروفاً أوّله من آخره على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعن محمد بن كعب القرظي، قال: "كان ممّن يختم القرآن ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّ: عثمان، وعليّ، وعبد الله بن مسعود"17. وقال الطبرسي: "إنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأُبي ابن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عدّة ختمات"18.
وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) "أنّه قد أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بأن يختم القرآن في كلِّ سبع ليالٍ ـ أو ثلاث ـ مرّة، وقد كان يختمه في كل ليلة"19. وأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سعد بن المنذر أن يقرأ القرآن في ثلاث، فكان يقرؤه كذلك حتى تُوفي20.
5 ـ كان الصحابة يدوّنون القرآن في صحف وقراطيس ولا يكتفون بالحفظ والتلاوة، فلعلك قرأت ما روي في إسلام عمر بن الخطّاب: "أنّ رجلاً من قريش قال له: أختك قد صبأت ؛ أي خرجت عن دينك، فرجع إلى أخته ودخل عليها بيتها، ولطمها لطمة شجّ بها وجهها، فلمّا سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفةٌ في ناحية البيت، فيها ((بسم الله الرحمن الرحيم، سبّح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم...)) (الحديد57: 1) واطّلع على صحيفة أُخرى فوجد فيها ((بسم الله الرحمن الرحيم، طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى...)) (طه20: 1) فأسلم بعدما وجد نفسه بين يدي كلامٍ معجزٍ ليس من قول البشر"21، وهذا يدلّ على أنهم كانوا يكتبون بإملاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن هذا المكتوب كان يتناقله الناس.
6 ـ جمع القرآن طائفة من الصحابة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هم أربعة على ما في رواية عبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك22، وقيل: خمسة كما في رواية محمد بن كعب القرظي23، وقيل: ستة كما في رواية الشعبي24، وكذا عدّهم ابن حبيب في (المحبّر)25، وأنهاهم ابن النديم في (الفهرست) إلى سبعة26، وليس المراد من الجمع هنا الحفظ، لأنّ حفّاظ القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا أكثر من أن تُحصى أسماؤهم في أربعة أو سبعة، كما تقدّم بيانه في الدليل الأول، وفيما يلي قائمة بأسماء جُمّاع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي حصيلةٌ من جميع الروايات الواردة بهذا الشأن ؛ وهم:
1 ـ أُبي بن كعب. 2 ـ أبو أيوب الأنصاري. 3 ـ تميم الداري. 4 ـ أبو الدرداء. 5 ـ أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان. 6 ـ زيد بن ثابت. 7 ـ سالم مولى أبي حذيفة. 8 ـ سعيد بن عبيد بن النعمان، وفي الفهرست: سعد. 9 ـ عبادة بن الصامت. 10 ـ عبد الله بن عمرو بن العاص. 11 ـ عبد الله بن مسعود. 12 ـ عبيد بن معاوية بن زيد. 13 ـ عثمان بن عفان. 14 ـ عليّ بن أبي طالب. 15 ـ قيس بن السكن. 16 ـ قيس بن أبي صعصعة بن زيد الأنصاري. 17 ـ مجمع بن جارية. 18 ـ معاذ بن جبل بن أوس. 19 ـ أُمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث، وبعض هؤلاء كان لهم مصاحف مشهورة كعليّ عليه السلام وعبد الله بن مسعود.
7 ـ إطلاق لفظ الكتاب على القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته الكريمة، ولا يصحّ إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور، بل لابدّ أن يكون مكتوباً مجموعاً، وكذا ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي"27، وهو دليلٌ على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تركه مكتوباً في السطور على هيئة كتاب.
8 ـ تفيد طائفة من الأحاديث أنّ المصاحف كانت موجودة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الصحابة، بعضها تامّ وبعضها ناقص، وكانوا يقرأونها ويتداولونها، وقرر لها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) طائفةً من الأحكام، منها:
عن أوس الثقفي، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك ألفي درجة"28.
وعن عائشة، عن رسولالله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: +"النظر في المصحف عبادة"29
وعن ابن مسعود، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "أديموا النظر في المصحف"30.
وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أعطوا أعينكم حظّها من العبادة،" قالوا: "وما حظّها من العبادة، يا رسول الله؟" قال: "النظر في المصحف، والتفكّر فيه، والاعتبار عند عجائبه"31.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أفضل عبادة أُمّتي تلاوة القرآن نظراً"32.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "من قرأ القرآن نظراً مُتّع ببصره مادام في الدنيا"33.
وكلّ هذه الروايات تدلّ على أنّ إطلاق لفظ المصحف على الكتاب الكريم لم يكن متأخّراً إلى زمان الخلفاء، كما صرحت به بعض الروايات، بل كان القرآن مجموعاً في مصحف منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). ونزيد على ما تقدّم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لديه مصحف أيضاً، ففي حديث عثمان بن أبي العاص حين جاء وفد ثقيف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عثمان: "فدخلتُ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألته مصحفاً كان عنده فأعطانيه"34، بل وترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصحفاً في بيته خلف فراشه ـ لا حسبما صرحت به بعض الروايات ـ مكتوباً في العسب والحرير والأكتاف، وقد أمر عليّاً عليه السلام بأخذه وجمعه، قال الإمام عليّ عليه السلام: "آليت بيمينٍ أن لا أرتدي برداء إلاّ إلى الصلاة حتّى أجمعه"35. فجمعه عليه السلام، وكان مشتملاً على التنزيل والتأويل، ومرتّباً وفق النزول على ما مضى بيانه.
وجميع ما تقدّم أدلّةٌ قاطعة وبراهين ساطعة على أنّ القرآن قد كتب كله على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدويناً في السطور علاوة على حفظه في الصدور، وكان له أوّل وآخر، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يشرف بنفسه على وضع كلّ شيءٍ في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، إذن فكيف يمكن أن يقال إنّ جمع القرآن قد تأخّر إلى زمان خلافة أبي بكر، وإنّه احتاج إلى شهادة شاهدين يشهدان أنّهما سمعاه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
07:50

مراحل جمع القرآن


جمع القرآن

مراحل جمع القرآن
المتحصّل من جميع الروايات الواردة في جمع القرآن أنّ مراحل الجمع ثلاث:
الأولى: بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حفظاً وكتابةً، حيثُ حُفِظ في الصدور، وكُتِب على السطور في قراطيس وألواح من الرقاع والعسب واللخاف والاكتاف وغيرها. أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، عن زيد بن ثابت، قال: "كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نؤلّف ـ أي: نكتب ـ القرآن من الرقاع"1
الثانية: على عهد أبي بكر، وذلك بانتساخه من العسب والرقاع وصدور الرجال وجعله في مصحفٍ واحد.
الثالثة: ترتيب السور على عهد عثمان بن عفّان، وحمل الناس على قراءة واحدة، وكتب منه عدّة مصاحف أرسلها إلى الأمصار، وأحرق باقي المصاحف.
جمع القرآن وشبهة التحريف
إنّ موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي أُثيرت حولها الشبهات، ودُسَّت فيها الروايات، وتذرّع بها القائلون بالتحريف فزعموا أنّ في القرآن تحريفاً وتغييراً، وأنّ كيفية جمعه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مستلزمةٌ في العادة لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه، حيثُ إنّ العادة تقتضي فوات شيءٍ منه على المتصدّي لذلك إذا كان غير معصوم.
قال الرافعي: "ذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلاّ الظنّ والتأويل واستخراج الأساليب الجدلية من كلِّ حكمٍ ومن كلِّ قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيءٌ حملاً على ما وصفوه من كيفية جمعه"2.
إنّ امتداد زمان جمع القرآن إلى ما بعد حروب اليمامة، كما نطقت به الروايات، وتضارب الأخبار الواصفة لطريقة جمعه، أثارا الشبهة لدى الكثيرين، فعن الثوري أنّه قال: "بلغنا أنّ أُناساً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يقرأون القرآن، أُصيبوا يوم مسيلمة، فذهبت حروف من القرآن"3.
إنّ حقيقة جمع القرآن في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تُعدّ من الحقائق التاريخية الناصعة، التي لا تحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء وإثارة الشبهات، وتعدّ أيضاً ضرورةً ثابتةً تاريخياً دامغةً لكلّ الأقاويل والشبهات، ولكل ما دُسّ من الأخبار والروايات حول هذه المسألة.
07:49

نسخ التلاوة


نسخ التلاوة

قسّموا النسخ في الكتاب العزيز إلى ثلاثة أقسام:
  1. نسخ الحكم دون التلاوة، وهذا هو القسم الذي نطق به محكم التنزيل، وهو المشهور بين العلماء والمفسرين، وهو أمر معقولٌ مقبولٌ، حيثُ إنّ بعض الأحكام لم ينزل دفعةً واحدةً، بل نزل تدريجياً لتألفه النفوس وتستسيغه العقول، فنسخت تلك الأحكام وبقيت ألفاظها، لأسرارٍ تربويةٍ وتشريعيةٍ يعلمها الله تعالى.
  2. نسخ التلاوة دون الحكم، وقد مثّلوا له بآية الرجم، فقالوا: إنّ هذه الآية كانت من القرآن ثمّ نسخت تلاوتها وبقي حكمها.
  3. نسخ التلاوة والحكم معاً، وقد مثّلوا له بآية الرضاع.
وقد تقدّم في ثنايا البحث السابق أنّ البعض حمل قسماً من الروايات الدالة على النقصان على أنّها آيات نسخت تلاوتها وبقيت أحكامها، أو نسخت تلاوةً وحكماً، وذلك تحاشياً من التسليم بها الذي يفضي إلى القول بتحريف القرآن، وفراراً من ردّها وتكذيبها الذي يؤول إلى الطعن في الكتب الصحاح والمسانيد المعتبرة، أو الطعن في الأعيان الذين نُقلت عنهم، ولا شكّ أنّ القول بالضربين الأخيرين من النسخ هو عين القول بالتحريف، وهو باطل لما يلي:
1. يستحيل عقلاً أن يرد النسخ على اللفظ دون الحكم، لأنّ الحكم لابدّ له من لفظ يدلّ عليه، فإذا رفع اللفظ فما هو الدليل الذي يدلّ عليه؟ فالحكم تابع للّفظ، ولا يمكن أن يرفع الأصل ويبقى التابع.
2. النسخ حكم، والحكم لابدّ أن يكون بالنصّ، ولا انفكاك بينهما، ولا دليل على نسخ النصوص التي حكتها الآثار المتقدّمة وسواها، إذ لم ينقل نسخها ولم يرد في حديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في واحدٍ منها أنّها منسوخة، والواجب يقتضي أن يُبلّغ الأمة بالنسخ كما بلّغ بالنزول، وبما أنّ ذلك لم يحدث فالقول به باطل.
3. الأخبار التي زعم نسخ تلاوتها أخبار آحاد، ولا تقوى دليلاً وبرهاناً على حصوله، إذ صرحوا باتّفاق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد1، ونسبه القطّان إلى الجمهور2، وعلّله رحمة الله الهندي "بأنّ خبر الواحد إذا اقتضى عملاً ولم يوجد في الأدلّة القاطعة ما يدلّ عليه وجب ردّه"3، بل إنّ الشافعي وأصحابه وأكثر أهل الظاهر، قد قطعوا بامتناع نسخ القران بالسُنّة المتواترة، وبهذا صرّح أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، بل من قال بإمكان نسخ الكتاب بالسُنّة المتواترة منع وقوعه4، لذا لا تصحّ دعوى نسخ التلاوة مع بقاء الحكم أو بدونه، حتّى لو ادّعي التواتر في أخبار النسخ، فضلاً عن كونها أخبار آحاد ضعيفة الإسناد واهية المتن كما تقدّم.
4. أنكر بعض المعتزلة وعامة علماء الإمامية وأعلامهم الضربين الأخيرين من النسخ واعتبروهما نفس القول بالتحريف، وكذا أنكرهما أغلب علماء ومحققي أهل السنة المتقدمين منهم والمتأخرين، وحكى القاضي أبو بكر في "الانتصار" عن قومٍ إنكار الضرب الثاني منه5، وأنكره أيضاً ابن ظفر في كتاب "الينبوع"6، ونُقِل عن أبي مسلم: "أنّ نسخ التلاوة ممنوع شرعاً"7 وفيما يلي بعض أقوال محققي أهل السنة في إبطال القول بنسخ التلاوة:
  1. قال الخضري: "أنا لا أفهم معنى لآيةٍ أنزلها الله تعالى لتفيد حكماً ثمّ يرفعها مع بقاء حكمها ، لأنّ القرآن يقصد منه إفادة الحكم والإعجاز معاً بنظمه، فما هي المصلحة في رفع آية مع بقاء حكمها؟ إنّ ذلك غير مفهوم، وقد أرى أنّه ليس هناك ما يدعو إلى القول به"8.
  2. وقال الدكتور صبحي الصالح: "أمّا الجرأة العجيبة ففي الضربين الثاني والثالث اللذين نسخت فيهما بزعمهم آيات معينة، إمّا مع نسخ أحكامها وإمّا دون نسخ أحكامها، والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأً مركباً، فتقسيم المسائل إلى أضرب إنّما يصلح إذا كان لكلّ ضربٍ شواهد كثيرةٍ أو كافيةٍ على الأقل ليتيسّر استنباط قاعدةٍ منها، وما لعشّاق النسخ إلا شاهدٌ أو اثنان على كلّ من هذين الضربين، وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها"9
  3. وقال الدكتور مصطفى زيد: "ومن ثمّ يبقى منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرّد فرض لم يتحقّق في واقعةٍ واحدةٍ، ولهذا نرفضه، ونرى أنّه غير معقولٍ ولا مقبول"10.
  4. وقال عبد الرحمن الجزيري: "إنّ الأخبار التي جاء فيها ذكر كلمةٍ 'من كتاب الله' على أنّها كانت فيه ونسخت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه لا يُطلق عليها أنّها قرآن، ولا تُعطى حكم القرآن باتّفاق، ثمّ ينظر إنّ كان يمكن تأويلها بما يخرجها عن كونها قرآناً، فإنّ الإخبار بها يعطي حكم الحديث، وإن لم يمكن تأويلها فالذي أعتقده أنّها لا تصلح للدلالة على حكم شرعي ، لأنّ دلالتها موقوفةٌ على ثبوت صيغتها. وصيغتها يصحّ نفيها باتّفاقٍ، فكيف يمكن الاستدلال بها؟! فالخير كلّ الخير في ترك مثل هذه الروايات"11
  5. وقال ابن الخطيب: "أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها، فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه، ويقدّر ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل، إذ ما هي الحكمة من نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها؟ ما الحكمة من صدور قانون واجب التنفيذ ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه؟ ويستدلّون على باطلهم هذا بإيراد آيةٍ من هذا النوع يدّعون نسخها، ويعلم الله تعالى أنّها ليست من القرآن، ولو كانت لما أغفلها الصحابة (رضوان الله عليهم) ولدونّها السلف الصالح في مصاحفهم"12.
الطائفة الثانية: الروايات الدالّة على الخطأ واللحن والتغيير:
الأولى: روي عن عثمان أنّه قال: "إنّ في المصحف لحناً، وستقيّمه العرب بألسنتها. فقيل له: ألا تغيره؟ فقال: دعوه، فإنّه لا يحلّ حراماً، ولا يحرّم حلالاً"13.
حمل ابن أشتة اللحن الوارد في الحديث على الخطأ في اختيار ماهو أولى من الأحرف السبعة، وعلى أشياء خالف لفظُها رَسْمَها، وهذا الحمل غير مستقيمٍ، والأولى منه هو ترك الرواية وتكذيبها وإنكارها، كما فعل الداني والرازي والنيسابوري وابن الأنباري والآلوسي والسخاوي والخازن والباقلاني وجماعة آخرين14، حيثُ صرّحوا أنّ هذه الرواية لا يصحّ بها دليل ولا تقوم بمثلها حجّة، لأنّ إسنادها ضعيف، وفيه اضطراب وانقطاع وتخليط، ولأنّ المصحف منقولٌ بالتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يمكن ثبوت اللحن فيه، ثمّ إنّ ما بين الدفّتين هو كلام الله بإجماع المسلمين، ولا يجوز أن يكون كلام الله لحناً وغلطاً، وقد ذهب عامّة الصحابة وسائر علماء الأمّة من بعدهم إلى أنّه لفظ صحيح ليس فيه أدنى خطأ من كاتبٍ ولا من غيره، واستدلّوا أيضاً على إنكار هذه الرواية بقولهم: إنّ عثمان جعل للناس إماماً، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيّمه العرب بألسنتها، أو يؤخّر شيئاً فاسداً ليصلحه غيره؟! وإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيّموا ذلك - وهم الخيار وأهل اللغة والفصاحة والقدرة على ذلك - فكيف يتركون في كتاب الله لحناً يصلحه غيرهم؟ ثمّ إنّ عثمان لم يكتب مصحفاً واحداً بل كتب عدة مصاحف، فلم تأتِ المصاحف مختلفة قطّ، إلا فيما هو من وجوه القراءات والتلاوة دون الرسم، وليس ذلك باللحن"15.
والذي يهوّن الخطب في هذه الرواية ومثيلاتها الآتية أنّها برواية عكرمة مولى ابن عبّاس، وكان من أعلام الضلال ودعاة السوء، وكان يرى رأي الخوارج، ويُضرب به المثل في الكذب والافتراء، حتى قدح به الأكابر وكذّبوه، أمثال ابن عمر ومجاهد وعطاء وابن سيرين ومالك بن أنس والشافعي وسعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد، وحرّم مالك الرواية عنه، وأعرض عنه مسلم16.
الثانية: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ((حَتّى تَسْتَأنِسُوا وتُسلّموا)) (النور24:27) قال: "إنّما هو (حتّى تستأذنوا)، وأنّ الأوّل خطأٌ من الكاتب"17، والمراد بالاستئناس هنا الاستعلام، أي حتى تستعلموا من في البيت، فهذه الرواية مكذوبةٌ على ابن عباس ولا تصحّ عنه ، لأنّ مصاحف الإسلام كلّها قد ثبت فيها ((حتى تَسْتَأنِسُوا)) وصحّ الإجماع فيها منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى الآن، فلا يعوّل على مثل هذه الرواية، قال الرازي: "إعلم أنّ هذا القول من ابن عبّاس فيه نظر، لأنّه يقتضي الطعن في القرآن الذي نُقِل بالتواتر، ويقتضي صحّة القرآن الذي لم يُنْقَل بالتواتر، وفَتح هذين البابين يطرق الشكّ في كلِّ القرآن، وإنّه باطل"18.
وقال أبو حيان: "من روى عن ابن عبّاس أنّ قوله تعالى: ((حَتّى تَسْتَأنِسوا)) خطأ أو وهمٌ من الكاتب، وأنّه قرأ (حتى تَسْتَأذِنُوا) فهو كافرٌ في الإسلام، مُلْحِدٌ في الدين، وابن عباس بريءٌ من هذا القول19.
الثالثة: روى عروة بن الزبير عن عائشة: أنّه سألها عن قوله تعالى: ((لكن الراسخون في العلم)) (النساء4: 62 ) ثمّ قال: ((والمقيمين))، وفي المائدة: ((إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون))، (المائدة5: 69) و((إنّ هذان لساحران)) (طه20: 63) فقالت يا بن أُختي، هذا عمل الكُتّاب، أخطأوا في الكتاب20.
أمّا قوله تعالى: ((والمقيمين)) فانّه على العطف يكون (والمقيمون) كما في قراءة الحسن ومالك بن دينار، والذي في المصاحف وقراءة أُبيّ والجمهور ((والمقيمين)) قال سيبويه: "نُصِب على المدح، أي وأعني المقيمين" وذكر له شواهد وأمثلة من كلام العرب21.
قال الآلوسي: "ولا يُلْتَفَت إلى من زعم أنّ هذا من لحن القرآن، وأنّ الصواب (والمقيمون) بالواو.. إذ لا كلام في نقل النظم متواتراً، فلا يجوز اللحن فيه أصلاً"22.
وأمّا قوله تعالى: ((والصابئون)) بالرفع فهو معطوفٌ على محلّ اسم إنّ.
قال الفراء: "ويجوز ذلك إذا كان الاسم ممّا لم يتبيّن فيه الإعراب، كالمضمر والموصول، ومنه قول الشاعر:
من يكُ أمسى بالمدينة رحله      فإنّي وقيارٌ بها لغريبَ
برفع (قيار) عطفاً على محلّ ياء المتكلّم"23 وقد أجاز الكوفيون والبصريون الرفع في الآية واستدلّوا بنظائر من كلام العرب.
وقال صاحب المنار: "قد تجرأ بعض أعداء الإسلام على دعوى وجود الغلط النحوي في القرآن، وعدّ رفع (الصابئين) هنا من هذا الغلط، وهذا جمعٌ بين السخف والجهل، وإنّما جاءت هذه الجرأة من الظاهر المتبادر من قواعد النحو، مع جهل أو تجاهل أنّ النحو استنبط من اللغة، ولم تستنبط اللغة منه"24.
وأمّا قوله تعالى: ((إنّ هَذانِ لَسَاحِرانِ)) فإنّ القراءة التي عليها جمهور المسلمين هي تخفيف إن المكسورة الهمزة، فتكون مخففةٌ من الثقيلة غير عاملةٍ، ورفع (هذان).
قال الزمخشري: "إنّ هذان لساحران على قولك: إنّ زيد لمنطلق، واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة"25، وعليه فلا إشكال في هذه الآية، ولا لحن من الكُتّاب!
قال الرازي: "لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن، فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كلِّ القرآن، وإنّه باطل"26.
الرابعة: روي أنّ الحجاج بن يوسف غيّر في المصحف اثني عشر موضعاً، منها:
  1. كانت في سورة البقرة 2: 59 (لم يَتَسَنَّ) فغيّرها ((لم يَتَسَنَّه)) بالهاء.
  2. وكانت في سورة المائدة 4: 48 (شريعةً ومنهاجاً) فغيّرها ((شِرعةً ومنهاجاً)).
  3. وكانت في سورة يونس 10: 22 (هو الذي ينشركم) فغيّرها ((هو الذي يسيّركم))27.
وهذه الأمثلة، وسواها منقولةٌ من (مصاحف السجستاني) برواية عباد ابن صهيب28، وعباد متروك الحديث لدى أئمّة الحديث والجرح والتعديل، ومغموزٌ فيه بالكذب والاختلاق29.
قال السيد الخوئي: "هذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين وخرافات المجانين والأطفال، فإنّ الحجّاج واحدٌ من ولاة بني أُمية، وهو أقصر باعاً وأصغر قدراً من أن ينال القرآن بشيءٍ، بل هو أعجز من أن يغيّر شيئاً من الفروع الاِسلامية، فكيف يغير ما هو أساس الدين وقوام الشريعة؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله؟ وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته؟ وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج وانتهاء سلطته؟ وهب أنّه تمكّن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذّ عن قدرته نسخةٌ واحدةٌ من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكّن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا الله"30، وقد بيّنا في أدلّة نفي التحريف أنّ خلفاء الصدر الأول لم يجرأوا على حذف حرفٍ منه، وقد بلغ من دقّة وتحرّي المسلمين أن يهدّدوا برفع السيف في وجه من يُقدِم على ذلك، فكيف يتمكّن الحجّاج بعد اشتهار القرآن وتعدّد نسخه وحفّاظه أن يغيّر اثني عشر موضعاً من كتاب الله على مرأى ومسمع جمهور المسلمين ومصاحفهم؟"
07:47

روايات التحريف وحقائق مهمة


روايات التحريف

يقول السيد شرف الدين العاملي المتوفّى سنة (1377 هـ): "لا تخلو كتب الشيعة وكتب أهل السنة من أحاديث ظاهرة بنقص القرآن، غير أنّها ممّا لا وزن لها عند الاَعلام من علمائنا أجمع، لضعف سندها، ومعارضتها بما هو أقوى منها سنداً، وأكثر عدداً، وأوضح دلالةً، على أنّها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد إنّما يكون حجّة إذا اقتضى عملاً، وهذه لا تقتضي ذلك، فلا يرجع بها عن المعلوم المقطوع به، فليضرب بظواهرها عرض الحائط"1.
قبل الخوض في موقف علماء الشيعة من روايات التحريف، وعرض نماذج من هذه الروايات، نرى لزاماً علينا بيان بعض الحقائق المتعلّقة بهذا الموضوع:
1 ـ إنّ من يحتجّ على الشيعة في مسألة تحريف القرآن ببعض الاَحاديث الموجودة في كتب بعض علمائهم، فهو متحاملٌ بعيدٌ عن الانصاف، لاَنّه لا يوجد بين مصنّفي الشيعة من التزم الصحّة في جميع ما أورده من أحاديث في كتابه، كما لا يوجد كتابٌ واحدٌ من بين كتب الشيعة وُصِفت كلّ أحاديثه بالصحّة وقوبلت بالتسليم لدى الفقهاء والمحدّثين.
يقول الشيخ الاستاذ محمّد جواد مغنية: "إنّ الشيعة تعتقد أنّ كتب الحديث الموجودة في مكتباتهم، ومنها ’الكافي‘ و ’الاستبصار‘ و ’التهذيب‘ و ’من لايحضره الفقيه‘ فيها الصحيح والضعيف، وإنّ كتب الفقه التي ألّفها علماؤهم فيها الخطأ والصواب، فليس عند الشيعة كتاب يؤمنون بأنّ كلّ مافيه حقٌّ وصوابٌ من أوّله إلى آخره غير القرآن الكريم، فالاَحاديث الموجودة في كتب الشيعة لا تكون حجةً على مذهبهم ولا على أيّ شيعي بصفته المذهبية الشيعية، وإنّما يكون الحديث حجّةً على الشيعي الذي ثبت عنده الحديث بصفته الشخصية".
ويكفي أن نذكر هنا أنّ كتاب الكافي للشيخ محمد بن يعقوب الكليني المتوفّى 329 هـ، وهو من الكتب الاَربعة التي عليها المدار في استنباط الاحكام الشرعية، يحتوي على ستة عشر ألفاً ومئتي حديث، صنفوا أحاديثه ـ بحسب الاصطلاح ـ إلى الصحيح والحسن والموثق والقوي والضعيف.
2 ـ لايجوز نسبة القول بالتحريف إلى الرواة أو مصنفي كتب الحديث، لاَنّ مجرد رواية أو إخراج الحديث لا تعني أنّ الراوي أو المصنّف يعتقد بمضمون مايرويه أو يخرجه، فقد ترى المحدث يروي في كتابه الحديثي خبرين متناقضين يخالف أحدهما مدلول الآخر بنحو لا يمكن الجمع بينهما، فالرواية إذن أعم من الاعتقاد والقبول والتصديق بالمضمون، وإلاّ لكان البخاري ومسلم وسواهما من أصحاب الصحاح والمجاميع الحديثية وسائر أئمّة الحديث وجُلّ الفقهاء والعلماء عند فرق المسلمين قائلين بالتحريف،لاَنّهم جميعاً قد رووا أخباره في كتبهم وصحاحهم! والاَمر ليس كذلك بالتأكيد، فلو صحّ نسبة الاعتقاد بما يرويه الرواة إليهم للزم أن يكون هؤلاء وغيرهم من المؤلّفين ونقلة الآثار يؤمنون بالمتعارضات والمتناقضات، وبما يخالف مذاهبهم ومعتقداتهم، ماداموا يروون ذلك كلّه في كتبهم الحديثية، وهذا ما لم يقل به ولا أدعاه عليهم ذو مسكة إذا أراد الانصاف.
3 ـ إنّ ذهاب بعض أهل الفرق إلى القول بتحريف القرآن، أو إلى رأيٍ يتفرّد به، لايصحّ نسبة ذلك الرأي إلى تلك الفرقة بأكملها، لا سيما إذا كان ما ذهب إليه قد تعرّض للنقد والتجريح والانكار من قبل علماء تلك الفرقة ومحقّقيها، فكم من كتبٍ كُتِبت وهي لا تعبّر في الحقيقة إلاّ عن رأي كاتبها ومؤلّفها، ويكون فيها الغثّ والسمين، وفيها الحقّ والباطل، وتحمل بين طيّاتها الخطأ والصواب، ولا يختصّ ذلك بالشيعة دون سواهم، فذهاب قوم من حشوية العامّة إلى القول بتحريف القرآن لا يبرّر نسبة القول بالتحريف إلى أهل السنة قاطبة، وذهاب الشيخ النوري المتوفى (1320 هـ ) إلى القول بنقص القرآن لايصلح مبرّراً لنسبة القول بالتحريف إلى الشيعة كافة، وكذا لا يصحّ نسبة أقوال ومخاريق ابن تيميّة التي جاء بها من عند نفسه وتفرّد بها إلى أهل السنة بصورة عامة سيما وإنّ أغلب محققيهم قد أنكروها عليه، فإذا صحّ ذلك فانّما هو شطط من القول وإسراف في التجنّي وإمعان في التعصّب ومتابعة الهوى.
إنّ العلماء الاَجلاّء والمحققين من الشيعة، لم يلتفتوا إلى ماورد في مجاميع حديثهم من الروايات الظاهرة بنقص القرآن، ولا اعتقدوا بمضمونها قديماً ولا حديثاً، بل أعرضوا عنها، وأجمعوا على عدم وقوع التحريف في الكتاب الكريم، كما تقدّم في كلمات أعلامهم.
وروايات الشيعة في هذا الباب يمكن تقسيمها إلى قسمين:
  1. الروايات غير المعتبرة سنداً، لكونها ضعيفة أو مرسلة أو مقطوعة، وهذا هو القسم الغالب فيها، وهو ساقط عن درجة الاعتبار.
  2. الروايات الواردة عن رجال ثقات وبأسانيد لا مجال للطعن فيها، وهي قليلة جداً، وقد بيّن العلماء أنّ قسماً منها محمولٌ على التأويل، أو التفسير، أو بيان سبب النزول، أو القراءة، أو تحريف المعاني لا تحريف اللفظ، أو الوحي الذي هو ليس بقرآن، إلى غير ذلك من وجوه ذكروها في هذا المجال، ونفس هذه المحامل تصدق على الروايات الضعيفة أيضاً لو أردنا أن ننظر إليها بنظر الاعتبار، لكن يكفي لسقوطها عدم اعتبارها سنداً.
أمّا الروايات التي لايمكن حملها وتوجيهها على معنى صحيح، وكانت ظاهرة أو صريحة في التحريف، فقد اعتقدوا بكذبها وضربوا بها عرض الحائط وذلك للاَسباب التالية:
  1. أنّها مصادمةٌ لما عُلِم ضرورةً من أنّ القرآن الكريم كان مجموعاً على عهد النبوّة.
  2. أنّها مخالفةٌ لظاهر الكتاب الكريم حيثُ قال تعالى: ((إنّا نحنُ نَزّلنا الذِّكر وإنّا لهُ لَحَافِظُون))2.
  3. أنّها شاذة ونادرة، والروايات الدالة على عدم التحريف مشهورةٌ أو متواترةٌ، كما أنّها أقوى منها سنداً، وأكثر عدداً، وأوضح دلالة.
  4. أنّها أخبار آحاد، ولا يثبت القرآن بخبر الواحد، وإنّما يثبت بالتواتر، كما تقّدم في أدلّة نفي التحريف، وقد ذهب جماعة من أعلام الشيعة الاِمامية إلى عدم حجّية الآحاد مطلقاً، وإنّما قيل بحجيّتها إذا اقتضت عملاً، وهي لا تقتضي ذلك في المسائل الاعتقادية ولا يُعبأ بها.

نموذج الاتصال

Nom

E-mail *

Message *

Traduction ترجمة